خليل الصفدي
312
أعيان العصر وأعوان النصر
القراءة ، ضعفوه من قبل العدالة ، ثم ترددنا في ذلك ، وتوقفنا فاللّه يصلحه ، ولو قبل النصح لأفلح ، قلت : لم يطعنوا عليه ، إلا لأنه إذا قرأ قلب الورقتين والثلاث - واللّه أعلم - . 1601 - محمّد بن طغلق شاه « 1 » السلطان الأعظم العادل الفاضل أبو المجاهد صاحب دهلي ، وسائر مملكة الهند ، والسند ، ومكران والمعبر ، وكان يخطب له بمقدشوة وسرنديب ، وكثير من الجزر البحرية . ورث الملك عن أبيه طغلق شاه ملك هو إسكندر زمانه ، وحاكم الأرض في عصره وأوانه ، قد دوّخ البلاد ، ودخل في طاعته العباد ، يحكم على بلاد الهند ، وما دخل في مسمّى السند ، ليس في ملوك الأرض من يدانيه في اتساع ملكه ، ولا من ينخرط در بلاده في سلكه ، تكاثر الرمال عساكره ، وتفاخر النجوم جواهره ، وتغامر البحار الزاخرة ذخائره ، وتحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره ، إذا تغلغل طرف المرء في طرف من ملكه ، غرقت فيه خواطره ، كريم بخل الغمام ، وجوّاد أضحت هباته هي الأطواق والناس الحمام ، تغرق البحار في فضاء كرمه ، وتستحي السيول أن تطأ مواطئ حرمه ، قد وسع الناس طوله ، وشملهم بالإحسان فعله وقوله ، ما أمّه عاف إلا وتلقاه الغنى ، وسرى الفقر عنه والعنا ، ونوّله في مبادي جوده غايات المنى : وغير كثير أن يزورك راجل * فيرجع ملكا للعراقين واليا وأما تواضعه للّه - تعالى - مع هذه العظمة فأمر عجيب ، وفعل لا يصدر إلا ممن إذا دعاه الهدى يجيب . وأما محبّته لأهل العلم فشئ زاد على الصفة ، وعجزت عن إدراك كنهها بنت كل شفة ، يجعلهم ندماءه الخواص ، وجلساءه الذين هم في بحر كرمه غواص ، يتقرّب إليهم بالمكارم ، ويحكمهم في أمواله كما يحكم في فريسته الليث الضارم . لم يزل على حاله إلى أن أوحش منه إيوانه ، وما أغنى عنه ماله وهلك عنه سلطانه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة تقريبا . مما يستدل به على عظمة هذا السلطان أنه ورد في وقت كتابه إلى سلطاننا الأعظم محمّد في وكنت يوما عند الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيري ، وقد جاء إنسان في زي فقير ، فقال : يا خوند ، أنا جئت في جملة من أرسله السلطان صاحب الهند محمّد بن طغلق شاه ، وسبب الرسالة أن السلطان فتح تسعة آلاف مدينة وقرية ، أو قال : تسعة عشر ألف ، وأخذ
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 5 / 1240 .